السيد كمال الحيدري

24

المذهب الذاتي في نظرية المعرفة

المختلفة بين التصوّر والتصديق « 1 » ، إلا أنَّ المهمّ هو الوقوف عند بحث الإدراك التصديقي الذي ينطوي على الحكم ويحصل به الإنسان على معرفة موضوعية قابلة للانطباق على الواقع الخارجي ؛ فنقول : من الواضح أنَّ كلًا منا يدرك طائفة من القضايا ويصدّق بها تصديقاً ، ومن تلك القضايا ما يرتكز الحكم فيها على حقائق موضوعية جزئية كما في قولنا : « الجوّ حارّ » و « الشمس طالعة » ، وتسمّى القضية لأجل ذلك جزئية . ومن القضايا ما يقوم الحكم فيها بين معنيين عامَّين كما في قولنا

--> ( 1 ) قال صدر المتألهين في رسالة التصوّر والتصديق : « فالحق أن يقال في تقسيم العلم إلى التصوّر والتصديق كما يستفاد من كلمات المحقّقين : إنَّ حصول صورة الشيء في العقل الذي هو العلم إمّا تصوّر ليس بحكم ، وإمّا تصوّر هو بعينه حكم أو مستلزم للحكم بمعنى آخر ، والتصوّر الثاني يسمّى باسم التصديق والأول لا يسمّى باسم غير التصوّر . وهو المراد من قولهم : العلم إمّا تصوّر فقط وإما تصوّر معه حكم ، فإن المحقّقين لم يريدوا بهذه المعيّة أن يكون لكلّ من المعَين وجود غير وجود صاحبه في العقل حتى يكون أحدهما شرطاً أو جزءاً والآخر مركّباً منه أو مشروطاً به كما يُتوهّم في بادئ النظر من كلامهم ؛ إذ لأجل أنهم رأوا أنَّ التصديق لا يتحقّق إلا إذا تحقّق تصوّرات ثلاثة فتوهّموا أن المراد من التصوّر المعتبر في ماهية التصديق هو تلك التصوّرات المباينة له ، بل هذه المعيّة إنما هي عند التحليل الذهني بين جنسه وفصله . وهذا كما يقال « الإنسان هو الحيوان مع الناطق » ولم يُرد به أنَّ للحيوان وجوداً وللناطق وجوداً آخر وقد صارا موجودين معاً في الإنسان ، إنما المراد بمعيّة الحيوان والناطق أنَّ الذهن عند تحليل الإنسان وملاحظة حدّه اعتبر معنيين أحدهما مبهم والآخر معيّن محصّل له ، فهما موجودان بوجود واحد ، فالوجود واحد والمعنى اثنان ، كذلك قولنا ( التصديق هو التصوّر مع الحكم ) معناه التصوّر الذي هو بعينه الحكم . . . » . جاءت هذه الرسالة في آخر كتاب « الجوهر النضيد » ، تأليف العلامة جمال الدين حسن بن يوسف الحلي ، طبعة انتشارات بيدار ، سنة 1363 ه .